الادب والقصة

الجزء الأخير من حكاية.. تفاحة الصبا

الجزء الأخير من حكاية.. تفاحة الصبا
الكاتب باسم الكعبي – مجلة رموز الأصالة

 

مشى منصور فوق الجسر بحذر.. فلما بلغ منتصفه وإذا به يسمع صوت تنهد مخلوقٍ جبار كاد أن يشق أذنيه..
فنظر منصور الى قعر الوادي فراعه أن يشاهد ذلك التنين الفظيع وهو يقبع مضطجعاً هناك في القاع..
كان يبدو نائما.. وكان صوت التنهد الذي سمعه هو صوت شخير الوحش..

ابتلع منصور ريقه بصعوبة وقد أرعش الخوف أوصاله وهو يطالع التنين، ويفكر في أنه سيصحو في أية لحظةٍ وسينقض عليه ويلتهمه او يحرقه مع الجسر..
لكن منصور تحرك أخيراً حتى أنه بالكاد تخطى الجسر..

فلما بلغ الطرف الآخر من الوادي، إستلقى أرضاً وهو يحمد الله على تخطيه تلك المرحلة..
إستأنف منصور بعد ذلك المسير نحو القلعة حتى بلغها..

وهناك.. قابل سيد القلعة، وكان رجلاً صارماً شديد البأس، والذي ما إن علم بمراد منصور حتى وافق على طلبه.. لكنه اشترط عليه أولاً أن يحضر له الحصان الابيض وحيد القرن، والذي يملكه شيخ الغابة..

وأمام هذا التحدي الجديد، وافق منصور على شرط الحاكم في سبيل إنقاذ والدته.. فلم يضيع الحاكم مزيداً من الوقت على منصور، وأشار له الى الطريق المؤدي الى الغابة..

لكنه حذره من وحش الغاب الاسود الذي بسببه لا يجرؤ أحدٌ أبداً على الاقتراب من الغابة..
سار منصور على بركة الله نحو الغابة حتى بلغها.. فدخلها وهو يخشى أن يطاله الوحش بمخالبه المقيتة في أية لحظة..

وبينما هو على تلك الحال، وإذا به يسمع صوت زئيرٍ هائل قد شقّ صداه أرجاء الغابة.. فتسمّر منصور في مكانه وقد جمد الدم في عروقه..

لكن صوت الزئير استمر حتى شعر منصور أن ذلك الزئير يحمل من نبرة المعاناة أكثر مما يحمل من نبرة التخويف.. فاستنتج أن الوحش صاحب تلك الزمجرة ربما يعاني من ورطةٍ ما..
فتتبع الصوت حتى استطاع أن يلمح من بين الاحراش أسداً ضخماً ذا لونٍ أشد سواداً من الليل البهيم.. أما شعر رأسه ورقبته فذو لونٍ ذهبي أخّاذ..

كانت إحدى قائمتي الاسد الاماميتين قد انحشرت بين صخرتين.. وكان الاسد يحاول تخليص نفسه فلا يفلح، لذلك كان يزأر بيأس..

أدرك منصور أن هذه هي فرصته الذهبية ليعبر الغابة مستغلاً مصيبة الوحش..
لكن الفتى الطيب تطلع مطولاً الى الاسد.. ثم قرر مساعدته، لأنه ببساطة لا يستطيع تركه على تلك الحالة..
تقدم منصور من الاسد بتأني… وما إن رآه الوحش حتى نهض وزأر على الفتى بفظاعةٍ الى درجة أن ريح الزئير قد بلغت منصور

فأغلق عينيه لكنه قال :
أمي على وشك الموت.. وهي بحاجة ماسة الى المساعدة.. لذلك فأنا أعرف شعور من هم بحاجةٍ للعون..
ولهذا السبب سأساعدك يا صديقي ولكن ارجوك لا تأكلني وإلا قضيتَ على أمي كذلك..
وهنا..

وأمام دهشة منصور، نطق الاسد قائلا :
أنت تساعدني أيها الكائن الضئيل؟؟!!!
أشار منصور الى رأسه وقال :
هذه الرأس لم تخلق لوضع القبعات فقط..

مضى منصور، ثم عاد بعد لحظاتٍ وهو يحمل جذع شجرةٍ طويلٍ ورفيع وحشر أحد طرفيه بين الصخرتين.. ثم أمسك بطرفه الثاني وسحبه نحو الأسفل بكل ما أوتي من قوةٍ حتى تحركت الصخرة بما يكفي ليحرر الاسد قائمته..

نط الاسد من مكمنه ودار حول منصور وهو يفترسه بنظراته القاسية، فأغمض منصور عينيه وهو يرتقب مصيره الذي ستقرره له تلك الفكوك الجبارة..
وبعد لحظاتٍ محمومة،تحركت فكوك الاسد بالقول :
هيا اصعد على ظهري وسأحملك الى أي مكانٍ ترغبه..
وهكذا اعتلى منصور ظهر الوحش بسعادة، فانطلق يجري به حتى بلغ مكان شيخ الغابة دون أن يجرؤ أي مخلوقٍ على اعتراض طريقهما..
ثم أنزل الاسد منصور وقال :
لا أستطيع الاقتراب أكثر.. لأن شيخ الغابة قد أحاط منطقته بتعاويذ سحرية تمنع كل مخلوقات الغابة من الدخول إليه.. فما هو إلا ساحرٌ شرير ومؤذي..
دخل منصور بيت الشيخ.. فلما علم من الفتى عن مراده حتى أشار الشيخ الى جبلٍ بعيد وقال :
خلف ذلك الجبل، تتواجد أجمل فتاةٍ على ظهر البسيطة.. أسيرةٌ لدى ساحرة الجبل… فإذا أحضرتها لي فسأعطيك الفرس الفريد وحيد القرن..
عاد منصور لارتقاء ظهر الاسد الذي انطلق يسابق به الريح بوثباته الخاطفة حتى بلغ الجبل.. فتسلقه منصور تاركاً الوحش الاسود ينتظره على السفح ريثما يكمل الفتى مهمته..
وعندما أدرك منصور الجانب الآخر من الجبل، وإذا به يجد نفسه أمام كوخٍ بسيط… وأمام الكوخ، تجلس أجمل فتاةٍ وقعت عيناه عليها..
حينها.. أدرك الفتى أنها هي الفتاة المطلوبة، لأنه لا يمكن أن توجد فتاة أجمل من هذه ولا أحلى.. هكذا فكر منصور..
كانت الفتاة تغزل الصوف على آلة المغزال بلا انقطاع.. وحتى عندما اقترب منصور منها وسلّم عليها، فإنها لم تترك عملها لحظة.. بل ردت السلام وهي منهمكةٌ بالعمل..
فطلب منصور منها مرافقته.. لكنها اعتذرت وقالت :
لا أستطيع… فلو توقف هذا المغزال عن العمل، فسوف تأتي الساحرة فوراً وستقتلنا معا..
فكر منصور قليلاً ثم قال :
بل ستأتين معي دون أن يتوقف المغزال عن العمل..
قالت :
وكيف ذلك؟؟
أشار منصور الى رأسه وقال :
هذه الرأس لم تخلق لتوضع عليها القبعات فقط..
ثم قام بتسلق الكوخ حيث توجد آلةٌ للرياح موضوعةً على قمة الكوخ، وهي عبارةٌ عن قضيبٍ معدني ذو أربعة جوانح، تدور حول نفسها باستمرار بسبب الريح التي لا تنقطع عن الهبوب على سفح ذلك الجبل..
وبعد ذلك قام بربط خيطٍ رفيع بتلك الآلة، ثم وصل الطرف الأخر من الخيط بالمغزال الذي في الأسفل..
وبعد أن انتهى من عمله، مد يده نحو فتاة المغزال وطلب منها أن تبتعد عن الآلة..
فنظرت إليه الفتاة بعينيها الجميلتين ثم سحبت يديها شيئاً فشيئاً وأمسكت بيد منصور ونهضت عن المغزال… فاستمر المغزال بالعمل بتأثير قوة الرياح..

شعرت الفتاة بسعادةٍ عظيمة بعد أن تحررت أخيراً من عبودية العمل على المغزال..
فبعد شهورٍ طويلة قضتها تحت رحمة الساحرة، ها هي تستمتع لأول مرةٍ بالأشياء من حولها.. وذلك بفضل تدخل منصور.. فشكرته جزيل الشكر..

جر منصور الفتاة معه للنزول من الجبل.. وما إن رأت الأسد حتى صرخت وتعلّقت بمنصور.. فابتسم الاخير وطمأنها بأن ذلك الوحش صديقٌ لهما، ثم ركباه معاً فجرى بهما الوحش عائداً لشيخ الغابة..

وأثناء الطريق شعر الاسد بحزن منصور، فسأله عن السبب فأجاب الفتى :
لم تكد تلك الفتاة المسكينة تتحرر من قيد الساحرة، حتى كُتب عليها أن أزج بيدي بها الى ساحرٍ آخر..
قال الاسد :
لا تقلق يا منصور… أود أن أخبرك بأنني لست وحشاً عاديا… فأنا في الحقيقة أسدٌ عجيب.. وبإمكاني مساعدة الفتاة وتخليصها من هذه الورطة..

طلب الاسد من الفتاة شعرةً واحدة من رأسها.. ثم طلب منها أن تشد تلك الشعرة على أحد مخالبه، فلما فعلت ذلك وإذا بالاسد يتحول الى فتاةٍ هي طبق الأصل عن فتاة المغزال.. فذهلت الفتاة حتى شعرت وكأنها تنظر في المرآة..

ففهم منصور أن الاسد سيرافقه الى شيخ الغابة على أنه فتاة المغزال.. غير أن الفتى تسائل قائلا :
لكنك أخبرتني أنك لا تستطيع الدخول الى عرين الشيخ بسبب وجود تعاويذ سحرية محيطة بالمكان.. فكيف سنقنعه بإدخالك الى الكوخ؟؟

هنا.. طلب الاسد من منصور أن يحضر له حيواناً صغيراً من مخلوقات الغابة.. فأحضر له الفتى أرنباً صغيراً فحمله الاسد وهو بشكل الفتاة بين يديه.. ثم تقدما معاً نحو كوخ شيخ الغابة فيما اختبئت فتاة المغزال الحقيقية بين الاحراش بانتظار ما سيحدث..

سر شيخ الغابة سروراً عظيماً عندما شاهد منصور وقد أحضر الفتاة التي طلب منه إحضارها.. لكنهما كانا يقفان على عتبة بابه ولا يجرؤان على الدخول.. فصاح بهما الشيخ :
تفضلا تفضلا.. لماذا لا تدخلان؟؟

قال منصور :
الفتاة لا يمكنها الدخول لأنك أحطت منزلك بتعاويذ سحرية تمنع مخلوقات الغابة من دخول بيتك.. وهذه الفتاة كما ترى تحمل بين يديها حيوانها المدلل الذي لا تفارقه لحظة.. وهو ينتمي لكائنات الغابة ومحظورٌ عليه المرور كما لا يخفى عليك..

آنذاك.. رفع الشيخ ذراعه وقال :
لقد رفعت سحر التعاويذ مؤقتا.. ادخلا بسرعة قبل أن أخفض يدي..
سارع منصور والفتاة بالدخول.. فلما أصبحا داخل البيت أخفض الشيخ ذراعه وتقدم من الفتاة وهو يبدي إعجابه الشديد بها.. فطالبه منصور بالمهر الابيض وحيد القرن فسلّمه إياه الشيخ في الحال.. فامتطاه منصور وهرول به مبتعداً عن المكان..

وفي طريقه حمل معه فتاة المغزال الحقيقية ثم انطلقوا جميعاً نحو قلعة الحاكم..
أما بالنسبة للشيخ فقد صار يقترب أكثر وأكثر من الفتاة التي يظنها فتاة المغزال، فلما وضع يده عليها وإذا بها تتحول فوراً الى الوحش الأسود المخيف الطلعة!!!

وما إن شاهد الشيخ أنيابه القاطعة المحتشدة، حتى خر مصعوقاً على الأرض كالخشبة اليابسة..
وهكذا نجحت خطة الاسد في خداع شيخ الغابة عن طريق إغرائه برفع تعاويذ الحماية كي يتمكن الاسد من الولوج وتنفيذ انتقامه..

فتحررت الغابة أخيراً من سطوة شيخ الغابة وأسحاره الشريرة..
فلما تم له ذلك، ركض الاسد مسرعاً حتى لحق بالمهر الابيض.. واستأذن منصور كي يعود الى غابته ليحكمها بعد زوال الشيخ..
فشكره منصور جزيل الشكر على كل ما قدمه إليه من مساعدة..

كان حاكم القلعة يقف في أعلى قلعته عندما أبصر منصور قادماً وهو يمتطي المهر الابيض وحيد القرن.. فسر بذلك كثيراً وأمر بفتح البوابات على مصاريعها استقبالاً لذلك المخلوق العجيب..

دخل منصور القلعة وترجّل مع فتاته من على ظهر الحصان ثم قام بتسليمه الى الحاكم..
فأمسك الحاكم بزمامه مبهوراً به وأشار لمنصور أن يدخل لوحده الى القاعة الكبرى حيث توجد شجرة تفاح الصبا، ليقطف منها حاجته ثم يغادر القلعة..

إلتفت منصور الى الفتاة وأخبرها أنه سيغيب عنها للحظاتٍ فقط..
فطلبت منه الفتاة أن يقطف أكثر من تفاحة إن استطاع ذلك..
فاستغرب منصور وسألها عن السبب..
فأجابته أنه سيعلم سر ذلك بعد حين..

وهكذا دخل منصور القاعة الكبرى.. فأدهشه منظر الشجرة التي تحمل على أغصانها تفاحات الصبا..
مد منصور ذراعه واقتطف واحدةً منها..
ثم تذكر كلام الفتاة فعاود قطف اثنتين أخريين..

ثم وضع التفاحات الثلاثة في منديله وشد على المنديل كالصرة وخرج من القاعة ثم من القلعة وبرفقته الفتاة..
لاحظت الفتاة أمارات الأسى تطغى على وجه منصور فسألته عن السبب فأخبرها بأنه يلوم نفسه لأنه قدّم بيديه ذلك المهر الرائع لهذا الحاكم الطاغي..

فقالت الفتاة :
لا داعي للقلق يا منصور.. فهذا المهر يختار سيده بنفسه.. ولن يأتمر إلا بأمر السيد الذي سيختاره..
أما الحاكم.. فقد عقد العزم على غزو البلاد وسبي العباد بواسطة ذلك المهر..
فأمر بإلباس المهر درعاً حديدية..

فلما تم ذلك، حاول الحاكم ركوب المهر.. لكن المخلوق انتفض وامتنع امتناعاً شديداً حتى حطم عن جسده الدرع الحديدية!!!!
ثم أخذ يرفس بقائمتيه الخلفيتين كل من يعترض طريقه..

تلا ذلك أن انطلق هارباً نحو بوابة القلعة.. فأمر الحاكم بغلق البوابة فتم الأمر..
لكن المهر استمر بالجري نحوها حتى خرج من قرنه المنتصب في أعلى جبهته شعاعٌ أبيض أصاب البوابة فحطمها!!!

ثم انطلق يجري من خلالها بحريةٍ حتى أدرك منصور، فاخفض المهر له جانبه فصاحت الفتاة بفرح :
منصوووور… لقد اختارك المهر سيداً له… ألم أقل لك ذلك؟؟

وهكذا ارتقى منصور وفتاة المغزال صهوة المهر وانطلقا عائدين الى القرية..
أما الحاكم فقد خاب مسعاه وعاد الى قلعته مخذولاً مدحورا..
وصل منصور الى الجسر الخشبي المعلّق المهزوز فقال :
اذا خطونا نحن الثلاثة فوق الجسر، فسوف ينهار بنا… لذا سنعبره واحداً تلو الآخر..
ارسل منصور حصانه أولاً فتخطى الجسر بنجاح..
ثم بعث بالفتاة فنجحت هي الأخرى..

ثم جاء الدور على منصور، فلما بلغ منتصف الجسر، وإذا بالتنين يستيقظ فيطير عالياً حتى بلغ منصور، فنظر إليه الوحش بعينين تشتعلان نارا، ثم فتح فكيه وأراد أن ينفث عليه اللهب.. فشعر منصور بحرارةٍ شديدة قادمة من فم التنين تمهيداً لانبثاق النار من جوفه.. فتسمّر في مكانه ولم يدرِ ما يصنع…

وهنا..
نادت عليه الفتاة بأن يرمي عليه إحدى التفاحات..
فأسرع منصور بإلقاء تفاحةٍ فسقطت في فم التنين المفتوح فابتلعها…
وما هي غير لحظات، حتى تضائل التنين وصغر في العمر والحجم الى أن أصبح بحجم طائر النسر.. فأخذ يطير هنا وهناك حتى توارى عن الانظار..
فذهل منصور من فاعلية تفاحة الصبا وقدرتها العجيبة على إرجاع العمر وقد استبد وتمادى..
وأخيراً بلغ منصور مشارف القرية..

وبينما هو يسير في بعض سككها، وإذا بشخصٍ قد كمن له من خلف الأحراش.. فباغت منصور وطرحه أرضاً ثم استولى على صرة التفاح فأخذها وانطلق يجري نحو دار أم منصور..
ولم يكن ذلك الشخص سوى طلال أخو منصور…
فهو بعدما انصرف الى الخان، مكث هناك عدة أيامٍ قضاها في اللعب واللهو حتى نفدت جميع النقود التي سرقها من منصور..

فراهن على فرسه فكان أن خسرها على طاولة القمار.. فتم طرده من الخان بعد أن أشبعوه ضرباً فعاد سيراً على قدميه الى القرية وكمن لمنصور بانتظار عودته حتى حظي به أخيراً فهاجمه وحدث الذي حدث…

أخذ المهر وحيد القرن يلعق بوجه منصور حتى أفاق من غشيته.. فهب فوراً نحو بيته مصطحباً معه الفتاة.. فشاهد هناك والدته وقد أضحت عجوزاً طاعنة في السن قد تساقطت أسنانها واحدودب ظهرها، وبجنبها طلال وقد وضع صرة التفاح مقابلها..

ثم فتح الصرة وهو يقول :
لقد أحضرت لكِ تفاحة الصبا يا أماه..
أنظري الى كدمات وجهي وتشقق قدميّ وستعرفين مقدار الأذى الذي تحملته في سبيل الحصول عليها..
أما منصور الجبان فقد سعى خلف النساء والجياد حتى أحضر معه هذه الفتاة وهذا المهر الممسوخ..
نظرت الام نحو منصور بأسفٍ وقالت :

لم أكن أتوقع منك هذا يا ولدي… ما هكذا ربيتك يا منصور..
ثم شرعت بالبكاء.. ولما اراد طلال أن يمد يده ليمسك بالتفاحة ويطعم والدته، وإذا بالعرافة تنطق قائلة :
لا يمس تفاحة الصبا إلا قاطفها… فلو لمسها من لم يقطفها لمات على الفور..
آنذاك.. جمد طلال في مكانه وامتنع عن مس التفاحة وهو ينضح عرقاً بسبب فضيحة الموقف، فلاحظت الام حيرته فارتابت في أمره..

تلا ذلك أن تقدم منصور بكل ثقة، فأمسك بإحدى التفاحتين بيده ورفعها نحو وجه أمه..
حينذاك.. فهمت الأم السبب وأدركت الحقيقة.. فجعلت تنظر بإكبارٍ نحو ولدها منصور..
ولما كانت الام بلا أسنان، فقد قام منصور بعصر التفاحة بكلتا يديه وأراق بضع قطراتٍ من مائها داخل فم والدته..

وما هي سوى لحظات.. حتى غطى النور أم منصور.. ثم تلاشى وقد عادت المرأة الى عمرها الطبيعي..
فهتف منصور فرحاً وعانق أمه وهو يشعر بسعادةٍ لا توصف..
فاعتذرت له أمه لأنها شكّت به وصدّقت زعم طلال.. فقفز طلال على قدمي أمه يقبلهما ويعتذر لها وهو يبكي،
فقالت له :
أنا أمك يا طلال وسأغفر لك، لأن من طبع الأم أن تعفو عن أولادها مهما أسائوا بحقها..
لكن أخيك منصور أحق مني بأن تطلب صفحه ورضاه، لأن خيانتك له أعمق من خيانتك لي..
غير أن الأولى منا معاً في طلب المغفرة، هي نفسك يا طلال، لأنك أجرمت بحقها… فما لم تتصالح مع نفسك فلن تجد الصفاء والطمأنينة في حياتك أبدا..
زاد طلال من نشيجه وبكائه وقد تعلّق بقدمي أمه وأخيه يطلب منهما الصفح والسماح..
فرفع منصور أخيه عن الارض وقال :
قد سامحتك يا أخي.. لكن الزمن وحده هو الكفيل بإثبات صدق ندمك..
والزمن أيضاً هو الشاهد على توبتك عن أخطائك.. وذلك بعزمك على تغيير واقعك ونفسك نحو الأفضل إن شاء الله..
ثم قام منصور بتقديم فتاة المغزال الى والدته، فرحبت بها الأم وعانقتها وهنئتها بالسلامة..
ثم التفت منصور الى المهر وأثنى عليه لأنه حملهما من القلعة الى هنا خلال فترةٍ قصيرة جدا، ثم قال له :
الحمد لله الذي سخّرك لنا أيها المهر..
فبفضل سرعتك قطعنا شوطاً كبيرا.. فلو وصلنا متأخرين بيوم أو يومين، فلربما وجدنا أمي وقد غادرت الحياة.. فالشكر لك..
وبينما كان افراد العائلة مشغولين بتلك الأجواء المؤثرة، وإذا بمهران يقتحم المكان وقد شهد ما جرى من عودة أم منصور الى عمرها السابق..
فلقد كان مهران يواصل الحضور يومياً الى دار ام منصور.. ليس لتفقّدها والسؤال عنها، بل بغضاً وشماتةً بها.. فهو كان ينتظر بفارغ الصبر خبر وفاتها كل يوم..
فلما شاهد بعينه عودة ام منصور لحالتها الطبيعة، حتى فقد أعصابه فاقتحم الدار واختطف التفاحة الاخيرة وهي ملفوفةٌ بالمنديل، ثم شرع بالتهامها بشغفٍ فصاحت عليه العرافة :
إحذر… ليس كلها…
كان مهران يظن أنه سيعود شاباً فتيّا..
لكن الذي حصل انه عاد طفلاً في الثالثة من العمر بسبب تعمده أكل التفاحة كلها..
فلما شاهدته العرافة وهو ينظر ويلتفت بدهشة، حتى حملته وقالت :
سأقوم بتربيته من جديد على الأخلاق والخصال الحميدة.. وإن شاء الله سيتحول من مهران الجشع الى عضوٍ نافعٍ ومرحب به في قريتنا..
وهكذا عادت ام منصور لتمارس مهامها كعمدةٍ للقرية..
وتغير طلال ليصبح رجلاً جديراً بالإعتماد عليه..
أما منصور، فقد تزوج بالفتاة التي رزقه الله بها خلال رحلته للبحث عن تفاحة الصبا…
النهاية..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى