الادب والقصة

حكاية… تفاحة الصبا ..

حكاية… تفاحة الصبا ..

مجلةرموز الأصالة

يحكى أنه منذ زمنٍ بعيد، كانت هناك بلدةً مزدهرة يعيش أهلها بسلامٍ واطمئنان.. وكانت عمدة تلك البلدة هي امرأةٌ طيبة وعادلة.. أحبها أهالي البلدة فانتخبوها عمدةً لهم.. وكان لها ولدين شابين، أحدهما يدعى (منصور).. وكان شديد الحب لوالدته، باراً بها.. والآخر يدعى (طلال).. وكان على العكس من أخيه، يفضل حياة الترف والكسل..

وكان في البلدة تاجرٌ جشع يدعى (مهران).. أراد الحصول على منصب العمدة لكنه خسره أمام أم منصور.. فشعر بالحنق الشديد وقرر أن يستعين بساحرٍ منبوذ يعيش خارج البلدة..

سار مهران ليلاً داخل غاباتٍ قديمة ومرعبة حتى وصل أخيراً الى منزل الساحر.. أراد مهران من الساحر أن يساعده على تنحية أم منصور عن منصبها.. فطلب منه الساحر مبلغاً كبيراً من المال لقاء أتعابه.. فدهش مهران من حجم المبلغ وأخبره أنه كثيرٌ جدا.. لكن الساحر أجابه بالقول : إعلم يا سيدي، أنك بعد أن تصل الى منصب العمدة بمساعدتي.. فستتدفق الاموال بين يديك كالنهر الجاري.. ولن تتذكر المبلغ الذي ستدفعه لي الآن.. أغرى جواب الساحر مهران.. فدفع له ما طلب على الفور.. فقام الساحر بصنع تعويذةٍ شريرة على شكل مسحوقٍ أبيض.. ثم وضعه في ورقةٍ وطوى الورقة جيداً وأعطاها لمهران وطلب منه أن يلقيها على أم منصور خلال ثلاثة أيام وإلا فسدت التعويذة..

عاد مهران الى بلدته وشرع فوراً بتنظيم احتفالٍ فخم في بيته تلك الليلة على شرف أم منصور بمناسبة فوزها برئاسة البلدة.. وكان من الطبيعي ان تلبي المرأة الدعوة.. فكانت من أوائل الحاضرين..

كان مهران يخفي بين يديه المسحوق العجيب.. فلما دخل الضيوف المنزل ومن بينهم ام منصور، قام مهران بمرافقتهم الى كراسيهم المخصصة حول المائدة.. وكان قد أعطى أمراً مباشراً الى خدمه بأن يقوموا بفتح النوافذ فجأةً حالما يشتد هبوب الريح.. فلما اشتد هبوبها.. فتح الخدم النوافذ فتسببت الريح فوراً بإطفاء الشموع فغرق المنزل في ظلامٍ دامس.. آنذاك.. إستغل مهران الفرصة فوقف مقابل ام منصور دون أن تشعر به بسبب الظلمة ثم فتح الورقة ونفخ ما بها من مسحوق في وجهها فاستنشقته وأخذت تسعل.. ثم تم غلق النوافذ وعودة الأضواء فاعتذر مهران من الجميع على هذا الخطأ غير المقصود.. واستمر الحفل بعد ذلك طبيعياً حتى نهايته.. ثم انصرف الضيوف بعد أن شكروا مهران على حسن ضيافته..

عادت ام منصور لمزاولة نشاطها اليومي.. لكنها أخذت فجأة تشعر بأعراضٍ غريبة!!!! فعندما تستيقظ صباح كل يوم تشعر بأن هناك أمراً ليس على ما يرام في جسمها.. كما أنها أخذت تلمح ظهور تجاعيد جديدة في وجهها في كل مرةٍ تنظر فيها الى المرآة.. حتى أن منصور قد أحس بتغير شكل والدته.. وبأنها تبدو أكبر مما كانت عليه قبل أيام.. وأخيراً.. قام منصور باستدعاء الطبيب.. وبعد المعاينة والفحص، أخبرها الطبيب أنها بدنياً تبدو على ما يرام.. لكنه يجهل السر وراء تقدمها المفاجئ في العمر..

كان أن أحضر منصور عرافة البلدة.. وهي أمرأةٌ طيبة لها خبرة في امور ما وراء الطبيعة.. فلما عاينت أم منصور حتى خرجت بالقول : يا إلهي.. إن هذه المرأة مصابة بلعنة.. صاح منصور : لعنة؟؟!!! ما الذي تقولينه يا امرأة؟؟ إلتفتت العرافة الى منصور وقالت : كم عمر أمك يا منصور؟؟ قال : إنها في الخامسة والاربعين.. قالت : انظر اليها.. إنها تبدو الآن في الخمسين من العمر.. إن أمك مصابة بلعنةٍ تجعل كل يومٍ يمر عليها بمثابة سنةٍ من عمرها.. وهذا يعني أنها ستهلك بسبب الشيخوخة قبل نهاية موسم الخريف هذا..

ذهل منصور مما سمع فتأثر لذلك كثيراً حتى دمعت عيناه وقال : من يجرؤ على فعل هذا؟؟ كيف طاوعته نفسه على لعن هذه السيدة الطيبة التي لم تؤذي في حياتها أحداً أبدا.. سأجده وسأنتقم منه شر انتقام..

لكن العرافة قالت له : دع عنك الثأر ومشاعر الانتقام وركز في كيفية إنقاذ والدتك مما هي فيه الآن.. قال : وهل يمكن كسر اللعنة وإنقاذها؟؟ قالت : مثل تلك اللعنات لا يمكن كسرها أبدا.. لكن بالمقابل يمكن أن نحصل على تعويذةٍ تعمل بالمقلوب وتعكس عمل اللعنة.. قال : وكيف ذلك؟؟ اشرحي لي أكثر.. قالت : هناك… بعيداً الى الشرق من هنا.. توجد شجرةٌ عجيبة داخل قلعةٍ محصنة يملكها قائدٌ عسكري.. تنمو على أغصان تلك الشجرة تفاحة الصبا.. إذا استطعت أن تحصل على تفاحة الصبا، وتطعم بيدك منها قضمةً واحدة الى والدتك، فستعود شابةً من جديد.. وستزول اللعنة..

كان طلال أخو منصور حاضراً أيضاً وسمع كل ما دار من كلام.. فاقترب من والدته وأخبرها أنه سيجلب لها تفاحة الصبا لينقذها.. فنظرت الام الى ولديها وقالت : كلا… أن في ذلك مخاطرةٌ شديدة عليكما… ليذهب بعض الجند الأقوياء لإحضارها.. لكن العرافة قالت : هذا لن ينفع.. لأن التفاحة لن ينجح في قطفها إلا من كان بحاجةٍ ماسة إليها، والجنود ليسوا كذلك، لأنهم يتقاضون راتباً عن عملهم.. أما ولداكِ فمصيرهما من مصيركِ.. لذا فهما الأجدر بإحضار التفاحة..

وهكذا مضى منصور لتهيئة الفرس الوحيدة التي تملكها عائلتهم استعداداً للإنطلاق في رحلة البحث عن تفاحة الصبا بعد أن أعطته أمه صرةً مليئة بالنقود لتعينه في رحلته.. فوضع قبعته الصغيرة على رأسه وركب الفرس.. لكن طلال تقدم منه وطلب الركوب معه، لأن طلال لا يجيد ركوب الخيل.. فقال منصور :

لكن يا أخي لو ركبنا معاً على هذه الفرس فسنثقل عليها وستبطئ في السير.. وبذلك سنخسر أياماً ثمينة، والدتنا بأمس الحاجة إليها في صراعها مع الشيخوخة.. ما رأيك يا طلال أن تبقى هنا لتعتني بأمنا ريثما أعود لها بالتفاحة.. لكن طلال غضب وقال : تريد أن تستفرد بالمجد لك وحدك حتى تنال الثناء والمديح من والدتنا… لا يا منصور.. لن أتركك تنال الفضل كله..

قال منصور :

أنا لا أفكر بتلك الطريقة إطلاقاً.. فكل ما يهمني هو سلامة والدتنا.. لكنني مع ذلك أعدك يا أخي بأنني إذا نجحتُ في جلب التفاحة فسأعطيها لك لتقدمها الى أمنا.. وبذلك ستكون أنت صاحب الفضل في شفائها مما هي فيه..

غير أن طلال لم يقبل بذلك ايضاً وأصر على مرافقة منصور.. فاحتسب الأخير أمره عند الله وسارا معاً على ظهر الفرس نحو الشرق حيث قلعةالحاكم العسكري..

وبعدعشرة أيام من السير البطيئ وصل الإثنان الى مفترق طرق..حيث شاهدا لافتة خشبية مكتوباعليها:

الى اليسار قلعة الحاكم،لكن احذروا من التنين العملاق نافث اللهب..

والى اليمين خان لاستراحة المسافرين..

هنا..تغيرت حال طلال بعد أن قررت الذهاب الى الخان..

هيا معي لنستريح من وعثاء السفر..

فدهش منصور لقرار طلال وقال له:كيف تفكر بالراحة وأمنا تقترب من الهلاك في كل يوم نخسره في رحلتنا هذه؟؟

رد طلال:

الأمر ميؤوس منه..لن نسطيع الحصول على تفاحة الصبا أبدا..لكن باستطاعتنا أن نسلي أنفسنا هناك في الخان ونفكر بمرحلة ما بعد رحيل السيدة الوالدة..

إزدادت حيرة منصور مما يسمع فقال:

أنت لم تحاول حتى..وها أنت تستسلم بهذه السرعة!!!!

أجاب طلال بانزعاج:

إذا لم تأتي الفرس..

فقال طلال:

أجننت؟؟..أتريدني أن أذهب الى الخانعلى قدمي؟؟..أهكذا تتعامل مع أخيك؟؟..يا لك من أخٍ وقح لا يقدر الإخوَة..

ثم تصارع الإثنان على الفرس فكان أن تغلب طلال على منصور لأنه كان أطول منه وأضخم..فكال له اللكمات حتى أسقطه أرضا..ثم سرق طلال من منصور صرة النقود وركب الفرس وهرع نحو الخان..

نهض منصور وهو يشعر بالأسف الشديد على طلال وبلادة مشاعره تجاه أمهما، وتفضيله راحته الشخصية على حساب حياتها..

فوضع قبعته على رأسه ثم سار نحو جهة القلعة حتى ادميت قدماه من كثرة المشي..ثم واصل السير حتى وصل الى وادٍ عميق يمتد فوقه جسرُ خشبيُ مهزوز يصل بين طرفي الوادي..

مشى منصور فوق الجسر بحذر..فلما بلغ منتصفه وإذا به يسمع صوت تنهد مخلوقٍ جبار كاد أن يشق أذنيه..

فنظر منصور الى قعر الوادي فراعه أن يشاهد ذلك التنين الفظيع وهو يقبع مضطجعاً هناك في القاع..

البقية في الجزء الأخير..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى